الشريف المرتضى
439
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
يرد بها الشكّ بل على نحو الذي ذكرناه ، من أنّكم إن شبّهتموهم بالذي استوقد نارا فجائز ، وإن شبّهتموهم بأصحاب الصّيب فجائز ، وإن شبّهتموهم بالجميع فكذلك . وثانيها : أن تكون « أو » دخلت للتفصيل والتمييز ، ويكون معنى الآية : إنّ قلوبهم قست ، فبعضها ما هو كالحجارة في القسوة ، وبعضها ما هو أشدّ قسوة منها . ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا « 1 » معناه : وقال بعضهم : كونوا هودا - وهم اليهود - وقال بعضهم : كونوا نصارى - وهم النصارى - فدخلت « أو » للتفصيل . وكذلك قوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ « 2 » معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا ، وجاء بعض أهلها بأسنا في وقت القيلولة . وقد يحتمل قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ هذا الوجه أيضا ، ويكون المعني أنّ بعضهم يشبه الذي استوقد نارا ، وبعضهم يشبه أصحاب الصيّب . وثالثها : أن يكون « أو » دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب ، وإن كان اللّه تعالى عالما بذلك غير شاكّ فيه ، لأنّه تعالى لم يقصد في إخبارهم عن ذلك إلّا التفصيل ؛ بل علم « عزّ وجلّ » أنّ خطبهم بالإجمال أبلغ في مصلحتهم ، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشدّ قسوة ، والمعنى أنّها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما . ويجري ذلك مجرى قولهم : ما أطعمتك إلّا حلوا أو حامضا ، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنّه لا فائدة في تفصيله ؛ والمعنى : ما أطعمتك إلّا أحد هذين الضّربين . وكذلك يقول أحدهم : أكلت بسرة أو ثمرة ؛ وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلّا أنّه أبهمه على المخاطب ، قال لبيد :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 135 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 4 .